ورد ألينا في ما تركه لنا أجدادنا كانوا
يخرجون جماعات للتجارة وكان في من خرج أبو سفيان في جماعةٍ من قريش يريدون العراق
بلد كسري ، فلما ساروا ثلاثاً جمعهم أبو سفيان ؛ فقال لهم : إنا من مسيرنا
هذا لعلي خطر ، لقد قدمنا علي ملك جبار ، لم يأذن لنا في القدوم عليه ، وليست
بلاده لنا بمتجر ، ولكن أيكم يذهب بالعير ، فإن أصيب فنحن براء من دمه ، و إن غنم
فله نصف الربح . فقال غيلان بن سلمة : دعوني إذن ، فـأنا لها ,
(غيلان بن سلمه الثقفي : شريف شاعر
جاهلي كانت له ثلاث أيام يوم يحكم فيه بين
الناس ويوم ينشد فيه شعراً ويوم ينظر فيه إلي جماله وقد أسلم بعد فتح الطائف )
فلما قدم بلاد كسري تطيب ، و لبس ثوبين أصفرين وشهر أمره ، وجلس بباب كسري
حتي أذن له ، فدخل عليه ، وخرج إليه الترجمان ( مترجم الملك ) وقال له : يقول لك
الملك : ما أدخلك بلادي بغير إذني !
فقال غيلان : للترجمان قل للملك : لست من أهل عداوة لك ، ولا أتيتك جاسوساً
لعدو من أعداءك ؛ ولكن جئت بتجارة تستمتع بها ؛ فإن أردتها فهي لك ، ز إن لم تردها
‘ و أذنت في بيعها لرعيتك بعتها ؛ و إن لم تأذن في ذلك رددتها ؛ وكلن غيلان كلما
سمع صوت كسري سجد . فقال له الترجمان :
يقول لك الملك : لم سجدت ؟ فقال غيلان :
سمعت صوتا عالياً ، حيث لا ينبغي لأحد أن يعلو صوته إجلالا للملك ، فعلمت أنه لم
يقدم علي رفع الصوت هناك غير الملك ؛ فسجدت إعظاما له .
فأستحسن كسري ما فعل غيلان فأمر له
بمخدة يجلس عليها . فلما أتي بالمخدة رأي
عليها صورة الملك فوضعها علي رأسه ، فشعر
كسري أنه جاهل أحمق وقال للترجمان : قل له
أنما بعثنا بهذه لتجلس عليها . قال غيلان قد علمت ، ولكني لما رأيت عليه
صورة الملك ، فلم يكن من حق مثلي أن يجلس عليها ؛ ولكن كان حقها التعظيم ؛ فوضعتها
علي رأسي ؛ لأنه أشرف أعضائي و أكرمها علي !
فأستحسن كسري منه هذا وكبر في نظره ثم قال كسري لغيلان : ألك ولد ؟ فقال
غيلان نعم ! فقال كسري : فأيهم أحب أليك ؟
فقال غيلان : الصغير حتي يكبر ، و المريض حتي يشفي ، و الغائب حتي يعود . فقال
كسري : ما أدخلك علي ودلك علي هذا القول
والفعل إلا حظك ! فهذا فعل الحكماء وكلامهم وأنت من قوم جفاة لا حكمة فيهم ؛ فما
غذاؤك ؟ فقال غيلان خبز البر فقال كسري هذا العقل من البر لا من اللبن والتمر .
ثم أشتري كسري من غيلان التجاره بأضعاف ثمنها ، وكساه وبعث معه من الفرس من
بني له قصراُ بالطائف وكان أول قصر يبني بالطائف .
( بدوي أعرابي حكمته ووافر عقله أوصلتة لمخاطبة الملوك )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق